الآلوسي

12

تفسير الآلوسي

عليه السلام لأن في خطاب الضيف بنحو ذلك إيحاشاً مّا ، وطلبه به أن يعرفوه حالهم لعله لا يزيل ذلك . وأيضاً لو كان مراده ذلك لكشفوا أحوالهم عند القول المذكور ولم يتصد عليه السلام لمقدمات الضيافة . * ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) * . * ( فَرَاغَ إلَى أَهْله ) * أي ذهب إليهم على خفية من ضيفه ، نقل أبو عبيدة أنه لا يقال : راغ إلا إذا ذهب على خفية ، وقال : يقال روغ اللقمة إذا غمسها في السمن حتى تروى ، قال ابن المنير : وهو من هذا المعنى لأنها تذهب مغموسة في السمن حتى تخفى ، ومن مقلوب الروغ غور الأرض والجرح لخفائه وسائر مقلوباته قريبة من هذا المعنى ، وقال الراغب : الروغ الميل على سبيل الاحتيال ، ومنه راغ الثعلب ، وراغ فلان إلى فلان مال نحوه لأمر يريده منه بالاحتيال ، ويعلم منه أن لاعتبار قيد الخفية وجهاً وهو أمر يقتضيه المقام أيضاً لأن من يذهب إلى أهله لتدارك الطعام يذهب كذلك غالباً ، وتشعر الفاء بأنه عليه السلام بادر بالذهاب ولم يمهل وقد ذكروا أن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يمنعه الضيف ، أو يصير منتظراً * ( فَجَاءً بعجْل ) * هو ولد البقرة كأنه سمي بذلك لتصور عجلته التي تعدم منه إذا صار ثوراً * ( سَمين ) * ممتلئ الجسد بالشحم واللحم يقال : سمن - كسمع - سمانة بالفتح وسمناً - كعنب - فهو سامن وسمين ، وكحسن السمين خلقة كذا في " القاموس " ، وفي " البحر " يقال : سمن سمناً فهو سمين شذوذاً في المصدر ، واسم الفاعل . والقياس سمن وسمن ، وقالوا : سامن إذا حدث له السمن انتهى ، والفاء فصيحة أفصحت عن جمل قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها ، وإيذاناً بكمال سرعة المجىء بالطعام أي فذبح عجلاً فحنذه فجاء به ، وقال بعضهم إنه كان معداً عنده حنيذاً قبل مجيئهم لمن يرد عليه من الضيوف فلا حاجة إلى تقدير ما ذكر ، والمشهور اليوم أن الذبح للضيف إذا ورد أبلغ في إكرامه من الإتيان بما هىء من الطعام قبل وروده ، وكان كما روي عن قتادة عامة ماله عليه السلام البقر ولو كان عنده أطيب لحماً منها لأكرمهم به . * ( فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ ) * . * ( فَقَرَّبَهُ إلَيْهمْ ) * بأن وضعه لديهم ، وفيه دليل على أن من إكرام الضيف أن يقدم له أكثر مما يأكل وأن لا يوضع الطعام بموضع ويدعى الضيف إليه * ( قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ ) * ، قيل : عرض للأكل فإن في ذلك تأنيساً للضيف ، وقيل : إنكار لعدم تعرضهم للأكل ، وفي بعض الآثار أنهم قالوا : إنا لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه فقال عليه السلام : إني لا أبيحه لكم إلا بثمن قالوا : وما هو ؟ قال : أن تسموا الله تعالى عند الابتداء وتحمدوه عز وجل عند الفراغ فقال بعضهم لبعض : بحق اتخذه الله تعالى خليلاً . * ( فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلَيمٍ ) * . * ( فَأَوْجَسَ منْهُمْ خيفَةً ) * فأضمر في نفسه منهم خوفاً لما رأى عليه الصلاة والسلام إعراضهم عن طعامه وظن أن ذلك لشر يريدونه فإن أكل الضيف أمنة ؛ ودليل على انبساط نفسه وللطعام حرمة وذمام والامتناع منه وحشة موجبة لظن الشر . وعن ابن عباس أنه عليه السلام وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب فخاف * ( قَالُوا لاَ تَخَفْ ) * إنا رسل الله تعالى ، عن يحيى بن شداد مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم ، وعلى ما روي عن الخبر أن هذا لمجرد تأمينه عليه السلام ، وقيل : مع تحقيق أنهم ملائكة وعلمهم بما أضمر في نفسه إما باطلاع الله تعالى إياهم عليه ، أو اطلاع ملائكته الكرام الكاتبين عليه وإخبارهم به ، أو بظهور أمارته في وجهه الشريف فاستدلوا بذلك على الباطن * ( وَبَشَّرُوهُ ) * وفي سورة الصافات * ( وبشرناه ) * أي بواسطتهم * ( بغُلَام ) *